بقلم: الكابتن رضى سيكا
لم أكن أتخيل يوماً أنني سأكتب هذه الكلمات. نعم، أنا رضى سيكا، الذي عاش عمره مع هذا النادي، الذي رأيت فيه أساطير الكرة المصرية تتألق وتُبهر العالم. واليوم، أكتب عن هبوطه إلى الدرجة الثانية. ليست مجرد خسارة مباراة، بل هي نهاية حقبة، وسقوط عملاق.
في الثانية عشرة من مايو 2026، سقط الإسماعيلي أمام وادي دجلة بهدفين مقابل هدف واحد في ملعب السلام. لم تكن مجرد مباراة، بل كانت جنازة عصر. مع صافرة الحكم، تجمد رصيد الدراويش عند 19 نقطة في المركز الأخير، بفارق 11 نقطة عن منطقة الأمان، لتُعلن رسمياً هبوط النادي إلى دوري الدرجة الثانية للمرة الثانية في تاريخه، والأولى منذ 68 عاماً.

التاريخ لا يكذب

عندما تأسس الإسماعيلي عام 1924، لم يكن مجرد نادي، بل كان حلماً لمدينة بُنيت على الرياضة. في عام 1967، حطم الأهلي والزمالك بتتويجه بلقب الدوري المصري. وفي عام 1969، كتب التاريخ بأحرف من ذهب عندما أصبح أول فريق مصري يتوج بلقب كأس أفريقيا للأندية الأبطال. نعم، أول فريق مصري يفعلها، قبل الأهلي، قبل الزمالك، قبل الجميع.
في التسعينيات، كان الإسماعيلي يُخيف الكبار. تتويج ثانٍ بالدوري عام 1991، وثالث عام 2002 في سباق مثير مع الأهلي. كأس مصر في 1997 و2000. نهائي دوري أبطال أفريقيا 2002. هذه ليست أرقاماً على ورق، بل هي ذكريات عشناها، وفرحة صرخنا بها في مدرجات استاد الإسماعيلية.

من علي أبو جريشة إلى عبد الله محمد

مرّت علينا أجيال. علي أبو جريشة، عماد سليمان، محمد صلاح أبو جريشة، محمد بركات، حسني عبد ربه، أحمد فتحي... أسماء كتبت تاريخ الكرة المصرية بأحرف من نور. واليوم، نرى عبد الله محمد، مدافع الفريق، يُطرد في الوقت المحتسب بدل الضائع من المباراة الحاسمة بالبطاقة الصفراء الثانية. ليس ذنب اللاعب، بل هو انعكاس لحال نادي بأكمله.
الإسماعيلي هذا الموسم لم يكن فريقاً، بل كان مجموعة من الشباب الطموحين يحاولون الصمود أمام عمالقة مدعومين بملايين الجنيهات. أربعة انتصارات فقط في ثلاثين مباراة. ستة عشر هزيمة. هذه ليست أرقام فريق كبير، بل هي أرقام فريق يستسلم.

الأزمة المالية: القاتل الصامت

لن أُقَلِّل من قيمة وادي دجلة، فهم فريق محترم. لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن الإسماعيلي لم يُهزم على الملعب فحسب، بل هُزم في المكاتب، وهُزم في الحسابات البنكية.
النادي يعاني من أزمة مالية خانقة منذ سنوات. لا يستطيع الاحتفاظ بلاعبيه، لا يستطيع دفع مستحقاتهم، ولا يستطيع التعاقد مع لاعبين جدد بسبب حظر الفيفا. هذا الموسم، اضطر النادي للاعتماد على شباب غير جاهزين للدوري الممتاز. ليس لأنهم لا يملكون الموهبة، بل لأنهم يفتقرون للخبرة والدعم.
الموسم الماضي، كان الإسماعيلي سيُهبط أيضاً، لكن الرابطة أنقذته بإلغاء الهبوط. لكن هل كانت هذه الرحمة أم تأجيل للمصير؟ النادي لم يحل مشاكله، ولم يُعالج جراحه، فكان الطبيعي أن يسقط اليوم.

رسالة إلى أهل الإسماعيلية

أقول لجماهير الدراويش: غضبكم مشروع، دموعكم حق، لكن لا تتركوا ناديكم. الإسماعيلي ليس مجرد فريق كرة قدم، هو هوية مدينة بأكملها. هو تاريخ، هو فخر، هو ما يجعلنا نرفع رؤوسنا.
هذا الهبوط ليس النهاية، بل هو فرصة لإعادة البناء. لكن إعادة البناء تحتاج إلى نية صادقة، وإدارة كفؤة، ودعم حقيقي. لا يمكن أن يستمر النادي في الاعتماد على الوعود الفارغة.

رسالة إلى الكرة المصرية

هبوط الإسماعيلي ليس خسارة للإسماعيلية وحدها، بل هو خسارة للكرة المصرية بأكملها. عندما يسقط عملاق، يجب أن نسأل أنفسنا: إلى أين نحن ذاهبون؟ هل نريد دورياً يضم فقط الأندية المدعومة من الدولة والشركات؟ أين مكانة الأندية التقليدية التي بُنيت على حب الجماهير؟
الإسماعيلي ليس الحالة الوحيدة. الزمالك يعاني، المصري يعاني، غزل المحلة يعاني. هذه الأندية هي عمود الكرة المصرية، وإذا سقطت، سيسقط معها كل شيء.
سأختتم بكلمات بسيطة. اليوم، 12 مايو 2026، دُفن جزء من طفولتي، وجزء من شبابي، وجزء من كرة القدم المصرية. لكنني أؤمن بأن الإسماعيلي سيعود. العمالقة لا يموتون، بل ينامون. وعندما يستيقظ الدراويش، سيعودون أقوى.
إلى ذلك الحين، دعونا نبكي اليوم، لكن لن نستسلم غداً.
رضى سيكا